مرتضى الزبيدي

215

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

ويطوفون حولها ويعظموني فكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها عز تلك الساعة ، فأنا أحتمل جهد سنة لعز ساعة ! فأحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعز الأبد ، فوقر في قلبي المعرفة ، فقال : حسبك أو أزيدك ؟ قلت : بلى ، قال : أنزل عن الصومعة ، فنزلت فأدلى لي ركوة فيها عشرون حمصة فقال لي : أدخل الدير فقد رأوا ما أدليت إليك ، فلما دخلت الدير اجتمع علي النصارى فقالوا : يا حنيفي ما الذي أدلى إليك الشيخ ؟ قلت : من قوته ؟ قالوا : فما تصنع به ونحن أحق به ؟ ثم قالوا : ساوم ! قلت : عشرون دينارا فأعطوني عشرين دينارا فرجعت إلى الشيخ فقال : يا حنيفي ما الذي صنعت ؟ قلت : بعته منهم ، قال : بكم ؟ قلت : بعشرين دينارا ، قال : أخطأت ! لو ساومتهم بعشرين ألف دينار لأعطوك ، هذا عز من لا تعبده فانظر كيف يكون عز من تعبده ؟ يا حنيفي أقبل على ربك ودع الذهاب والجيئة . والمقصود أن استشعار النفس عز العظمة في القلوب يكون باعثا في الخلوة وقد لا يشعر العبد به ، فينبغي أن يلزم نفسه الحذر منه وعلامة سلامته أن يكون الخلق عنده والبهائم بمثابة واحدة ، فلو تغيروا عن اعتقادهم له لم يجزع ولم يضق به ذرعا إلا كراهة